تونس: المناطق الجافة تتوسّع بـ40% والرطبة تتقلّص بـ90%… ما مستقبل الفلاحة؟
تتغيّر الخصائص المناخية لتونس، ومعها الظروف التي اعتاد الفلاحون العمل في ظلّها. فبين توسّع المناطق الجافة وتراجع المناطق الرطبة، تكشف الخارطة البيومناخية الجديدة عن تحوّلات قد تعيد رسم توزيع الأنشطة الفلاحية خلال السنوات المقبلة، وتضع الإنتاج الزراعي والموارد المائية أمام تحديات متزايدة.
أعلنت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، الأربعاء 4 نوفمبر 2026، عن نتائج تحيين الخارطة البيومناخية لتونس، إلى جانب تقديم منصة للمعطيات الجغرافية والبيومناخية، بهدف توفير صورة أكثر دقة عن تطوّر الخصائص المناخية لمختلف مناطق البلاد.
وكشفت الباحثة بالمعهد الوطني للعلوم الفلاحية بتونس، أسماء لصرم، في تصريح للإذاعة الوطنية، عن مؤشرين لافتين: توسّع المناطق الجافة بنسبة 40% وتقلّص المناطق الرطبة بنسبة 90%، وفق النتائج المعلنة.
ولا تتعلّق هذه الأرقام بانخفاض مباشر في كميات الأمطار بالنسب نفسها، بل بتغيّر امتداد المناطق المصنّفة ضمن النطاقات البيومناخية. كما لم يحدّد التصريح المنشور الفترة المرجعية التي اعتُمدت لاحتساب هذه التغيّرات، وهو ما يستوجب الرجوع إلى الدراسة الأصلية لتفسير حجمها بدقة.
عندما تتغيّر الحدود المناخية… تتغيّر معها شروط الإنتاج
لا يقتصر تأثير التحوّلات المناخية على ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع التساقطات، بل يمتدّ إلى طبيعة الأنشطة الفلاحية التي يمكن ممارستها في كل منطقة.
فبالنسبة إلى فلاح يعتمد على الأمطار لزراعة القمح أو الشعير، قد يعني تزايد الجفاف صعوبة أكبر في تحديد موعد البذر، وارتفاع احتمال تعرّض المحصول لنقص المياه خلال مراحل نموّه الحسّاسة.
أما في المناطق السقوية، فقد يفرض ارتفاع الحرارة حاجيات إضافية من مياه الري، في وقت تواجه فيه الموارد المائية ضغوطًا متزايدة.
وتشمل المخاطر المحتملة أيضًا الأشجار المثمرة والمراعي الطبيعية، حيث يمكن أن يؤثّر تغيّر الظروف المناخية في الإنتاجية وتوفّر الأعلاف وكلفة الإنتاج.
ومع ذلك، لا تعني هذه التحوّلات تراجع الإنتاج في جميع المناطق بالدرجة نفسها، إذ تختلف قدرة المستغلات الفلاحية على التأقلم بحسب طبيعة التربة والموارد المائية والأصناف المزروعة وأساليب الإنتاج.
شتاء أكثر حرارة في أفق 2040
لا تتوقّف نتائج الخارطة الجديدة عند توصيف الوضع المناخي، بل تمتدّ إلى توقعات سنة 2040، التي تشير إلى استمرار توسّع المناطق الجافة وتقلّص المناطق الرطبة، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الشتاء.
وقد يبدو الشتاء الأكثر دفئًا أقلّ قسوة بالنسبة إلى بعض الأنشطة، لكنه لا يحمل بالضرورة ظروفًا أفضل للإنتاج الفلاحي.
فعدد من الأشجار المثمرة يحتاج إلى فترة محدّدة من البرودة الشتوية لضمان انتظام النموّ والإزهار. كما يمكن أن تؤثّر الحرارة المرتفعة في تطوّر بعض المحاصيل ودورة حياة الآفات والأمراض النباتية.
وتبقى هذه التأثيرات مرتبطة بطبيعة كل محصول وخصوصيات المنطقة، ولا يمكن الجزم بحجمها دون دراسات فنية أكثر تفصيلًا.
المياه في قلب التحوّل المناخي
تكتسي نتائج الخارطة البيومناخية أهمية خاصة بالنسبة إلى الموارد المائية، التي تمثّل أحد أبرز محدّدات الإنتاج الفلاحي في تونس.
فارتفاع درجات الحرارة قد يزيد من التبخّر وفقدان رطوبة التربة، بينما يمكن أن يؤثّر اضطراب التساقطات في انتظام تغذية السدود والموائد المائية.
وبالنسبة إلى الفلاح، لا تُقاس هذه التحوّلات بالمؤشرات المناخية وحدها، بل بمدى توفر المياه في الوقت الذي يحتاجها فيه المحصول، وبالكلفة التي يتحمّلها لتأمين الري والحفاظ على الإنتاج.
وهو ما يجعل تحسين نجاعة استعمال المياه، والمحافظة على رطوبة التربة، وتطوير تقنيات الري، مسائل مرتبطة مباشرة باستدامة النشاط الفلاحي.
هل تحتاج تونس إلى إعادة النظر في توزيع زراعاتها؟
تطرح الخارطة الجديدة سؤالًا يتجاوز تشخيص التغيّرات المناخية: هل ما زالت الزراعات المعتمدة في مختلف الجهات ملائمة للظروف المناخية التي تتشكّل تدريجيًا؟
فاستمرار توسّع المناطق الجافة قد يستدعي مراجعة بعض الخيارات الزراعية، من خلال اختيار أصناف أكثر تحمّلًا للإجهاد المائي والحراري، وتطوير الممارسات الفلاحية، وتوجيه الاستثمارات وفق الخصائص المناخية والموارد المتاحة في كل منطقة.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكّل منصة المعطيات الجغرافية والبيومناخية الجديدة أداة مهمة للباحثين وصنّاع القرار والهياكل الفلاحية، إذا تُرجمت نتائجها إلى خرائط وتوصيات عملية تساعد على تحديد الزراعات الأنسب لكل جهة.
لكنّ قيمة هذه المعطيات ستظلّ مرتبطة بمدى وصولها إلى الميدان، وقدرة الفلاحين على الاستفادة منها في قراراتهم اليومية.
فالتحوّل المناخي لا يعني بالضرورة نهاية زراعات اعتادت عليها مناطق تونسية منذ عقود، لكنه يفرض إعادة التفكير في طرق إنتاجها وشروط استدامتها. وبين الأرقام التي تكشفها الخارطة الجديدة والواقع الذي يعيشه الفلاح، يبرز التحدّي الأساسي: كيف تحافظ تونس على إنتاجها الفلاحي في ظلّ مناخ تتغيّر خصائصه، وموارد مائية تزداد محدودية؟
مريم بن الحاج علي
الاكثر قراءة
-
وزارة الفلاحة: تعزيز التكوين المهني الفلاحي لاستقطاب الشباب ومواكبة التحول الرقمي
أكد مدير وكالة الإرشاد والتكوين الفلاحي، إقبال المستوري، أن وزارة الفلاحة تعمل على مزيد دعم منظومة التكوين المهني الفلاحي، سواء على مستوى التكوين الأساسي أو التكوين المستمر، باعتبارها من الآليات المهمة لتوفير فرص التشغيل وبعث المشاريع لفائدة الشباب وأوضح المستوري، في تصريحه لإذاعة موزاييك أف أم، أن منظومة التكوين الفلاحي تستقطب سنويًا نحو ألف متكون في التكوين الأساسي وقرابة 4 آلاف متكون في التكوين المستمر، عبر شبكة تضم 39 مركز تكوين موزعة على مختلف جهات البلاد وأشار إلى أن مراكز التكوين الفلاحي تمثل جهازًا داعمًا لبقية هياكل الدولة المختصة في تكوين الشباب، مبرزًا أن عددًا من هذه المراكز مجهز بأحدث الوسائل التكنولوجية، بما يمكّن المتكونين من اكتساب المهارات اللازمة ومواكبة التطورات الحديثة في القطاع الفلاحي من جهته، شدد مدير ديوان وزير الفلاحة، هيكل حشلاف، في إطار الاحتفال بالعيد الوطني للفلاحة، على أن الأمن الغذائي لم يعد مرتبطًا فقط بالإنتاج وتوفير المواد الغذائية، بل أصبح قائمًا أساسًا على إعداد كفاءات بشرية مؤهلة تمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والتأقلم مع التحولات العالمية وأكد أن الوزارة تولي أهمية خاصة لمنظومة التكوين المهني الفلاحي باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم الاستثمار والتنمية الجهوية كما أشار حشلاف إلى أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على تونس تسريع رقمنة منظومة التكوين والإرشاد الفلاحي، موضحًا أن الوزارة شرعت في تطوير المحتويات الرقمية واعتماد منصات تعليمية حديثة، إلى جانب توظيف الوسائل الذكية والتكنولوجيا الحديثة في التكوين والتأطير والمتابعة
-
رئيس الجمهورية: الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع يحرم صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر
تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوأوضح رئيس الدولة، وفق البلاغ الاعلامي للرئاسة، أنّ بعض الممارسات المسجّلة ترتقي إلى مستوى الجريمة، حيث يتمّ حرمان صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر نتيجة الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع، مشيراً إلى أنّ ممارسات مماثلة سُجّلت سابقاً عند إحداث ديوان الأعلاف، حين عمد البعض إلى احتكار مختلف أنواع الأعلاف وبيعها بأسعار تقلّ عن تلك التي يضبطها الديوان المذكور، في مسعى لتفليسه والاعتداء على المال العامكما جدّد رئيس الجمهورية التطرّق إلى موسم جني الزيتون، مشيراً إلى محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت، ومؤكّداً ضرورة مضاعفة العمل حتى يضطلع بدوره على الوجه المطلوب. وفي هذا السياق، أسدى تعليماته بمواصلة توزيع زيت الزيتون وجزء من صابة التمور بالسوق الداخلية وعبر الوداديات، بما يضمن استفادة المواطن والفلاح على وجه الخصوص، إلى جانب مواصلة البحث عن أسواق جديدة للتصديرتناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوتناول اللقاء كذلك السياسة المائية في تونس على مدى العقود الماضية، حيث شدّد رئيس الدولة على ضرورة القيام بعمليات دورية لصيانة السدود وجهر الأودية، مبرزاً أنّ عدداً من السدود تعرّض للإهمال وتحول بعضها إلى أثر بعد عين، على غرار سدّ الأخماس بولاية سليانة الذي كانت طاقة استيعابه تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعّب. كما أشار إلى الإهمال الذي طال عديد الأودية التي لم تُجهر منذ عقود، فضلاً عن البحيرات الجبلية التي تراكمت بها الأتربة منذ سبعينات القرن الماضي
-
نابل: الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري في مارس المقبل
تحتضن ولاية نابل من 26 إلى 29 مارس 2026 الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري، وذلك بمركز المعارض بالجهة، في تظاهرة تهدف إلى تنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز إشعاع الجهة على المستويين الجهوي والوطنيويمثل هذا الحدث مناسبة لعرض المنتجات الفلاحية المحلية وتقريب المسافات بين المنتجين والمزوّدين، فضلاً عن دعم الشراكات المهنية وتطوير مسالك الترويجوسيشارك في المعرض عدد من الفلاحين والمؤسسات والشركات الناشئة الناشطة في مجالات الفلاحة والإنتاج الحيواني والصيد البحري، بما يعزز تبادل الخبرات ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والاستثمارويتضمن البرنامج عرضاً وبيعاً مباشراً للمنتجات الفلاحية من المنتج إلى المستهلك، إلى جانب تنظيم ندوات علمية تناقش أبرز التحديات التي يواجهها القطاع والحلول الممكنة لتطويرهويُذكر أن القطاع الفلاحي بولاية نابل يساهم بنحو 15 بالمائة من الإنتاج الفلاحي الوطني، كما تحتل الجهة مراتب متقدمة وطنياً في عدد من القطاعات الفلاحية، خاصة التوابل والفراولة والحمضيات


التعليقات