منارة كل فلاح

منارة كل فلاح

زراعة الحبوب في تطاوين: نتائج أولية واعدة

في أقصى جنوب تونس، وتحديدًا في منطقتي الذهيبة ورمادة من ولاية تطاوين، أظهرت تجارب زراعة مروية للقمح الصلب والشعير المحلي نتائج مشجعة تدعم توجهات تعزيز السيادة الغذائية في البلاد


وقد أُنجزت هذه التجارب على مدى 3 مواسم على مساحة أولية قُدّرت بحوالي 6 هكتارات، قبل أن يتم التوسع فيها هذا العام لتقارب 40 هكتارًا

وتراوحت إنتاجية هذه الزراعات بين 38 و40 قنطارًا للهكتار في المواسم الماضية، مع مؤشرات ترجّح تسجيل مستويات أعلى خلال الموسم الحالي، وهي نتائج تُعد لافتة بالنظر إلى الطبيعة الجافة للمنطقة

وتُصنّف هذه المردودية ضمن المستويات المرتفعة المسجّلة في المناطق الجافة التونسية، بالنسبة للزراعات المروية

وتؤكد دراسات علمية اهتمّت بإنتاج القمح في تونس أن مردودية القمح الصلب تختلف بشكل كبير حسب الظروف المناخية، خاصة في ما يتعلّق بكميّة التساقطات، وأظهرت ضعف الإنتاج في المناطق الجافة (زراعات بعلية)، الذي يتراوح عادة بين 10 و25 قنطارًا للهكتار، مقابل 30 إلى 45 قنطارًا للهكتار في أنظمة الري التقليدي، مع إمكانية تحقيق مستويات أعلى عند تحسين إدارة مياه الري

ودفعت هذه النتائج السلطات الجهوية والوطنية إلى التفكير في التوسع التدريجي في المساحات المروية، بهدف بلوغ ألف هكتار على المدى القريب، مع إمكانية الوصول إلى 100 ألف هكتار على المدى البعيد

ويندرج هذا المشروع ضمن شراكة بين المندوبية الجهوية للتنمية الفلاحية بتطاوين، والمعهد الوطني للزراعات الكبرى ببوسالم، ومعهد المناطق القاحلة بمدنين. ولا يقتصر على زراعة الحبوب، بل يشمل، أيضًا، محاصيل استراتيجية أخرى في النمط السقوي مثل الأعلاف والبقوليات واللفت السكري

ويجري حاليًا استغلال مساحة، تقدر بنحو 20 هكتارًا في المنطقة السقوية بسهل الرومان بالذهيبة، اعتمادًا على سبعة آبار عميقة مجهزة بأنظمة ضخ تعمل بالطاقة الشمسية، وهو ما يساهم في تقليص كلفة الطاقة على الفلاحين

كما تتواصل عمليات تهيئة البنية التحتية المائية بالمنطقة، وفق ما أفاد به مسؤولون جهويون رافقوا كاتب الدولة المكلف بالمياه، حمادي الحبيب، خلال زيارة ميدانية للاطلاع على التجربة

وتندرج هذه المبادرة ضمن مقاربة تهدف إلى تعبئة الموارد المائية الجوفية العميقة لدعم الفلاحة المروية في المناطق الجافة، وهي فكرة كانت في السابق نظرية قبل أن تنتقل إلى مرحلة التطبيق، في سياق يتسم بتزايد الضغوط على الواردات الغذائية

ففي سنة 2024، استوردت تونس نحو 2,6 مليون طن من الحبوب بقيمة تقارب 2,3 مليار دينار، وفق معطيات ديوان الحبوب

ولا تزال البلاد تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية، خاصة في القمح اللين، الذي قد تغطي وارداته ما يصل إلى 80 بالمائة من الحاجيات الوطنية. وتمثل الحبوب قرابة نصف الواردات الغذائية، وهي نسبة تتغير من سنة إلى أخرى

وتنعكس هذه التبعية على المالية العمومية، حيث تجاوز دعم المواد الأساسية 3 مليارات دينار سنة 2022، وفق تقديرات البنك الدولي. وبحسب ميزانية الدولة لسنة 2025، تستأثر الحبوب بالنصيب الأكبر من نفقات الدعم المخصصة للمواد الأساسية، والتي تبلغ 3,8 مليار دينار، منها 2,67 مليار دينار للحبوب، تليها مواد مثل الزيت النباتي والحليب، في حين يُقدّر إجمالي الدعم بنحو 11,6 مليار دينار

وزادت التغيرات المناخية من تعقيد الوضع، حيث كشفت موجة الجفاف لسنة 2023 هشاشة النموذج الفلاحي المعتمد أساسًا على الأمطار، بعد تراجع الإنتاج المحلي بشكل كبير وارتفاع الضغط على الأسعار ومنظومة الدعم

وفي هذا السياق، تبرز مشاريع مثل تجربة تطاوين كخيار جزئي لكنه استراتيجي لتنويع مناطق الإنتاج

"لا ننافس الشمال بل ندعمه"
"وتندرج مبادرة زراعة الحبوب المروية، وخاصة القمح الصلب في تطاوين ضمن مقاربة تكاملية"، وفق ما صرّح به لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، المندوب الجهوي للتنمية الفلاحية بتطاوين، منجي شنيت

وأضاف: "تتجاوز المساحة الجملية، بين الزراعات البعلية والمروية، 660 هكتارًا، منها 92 هكتارًا مروية مخصصة، خاصّة للقمح الصلب والشعير المحلي. الهدف ليس منافسة مناطق الشمال، بل دعم العرض الوطني والمحافظة على البذور المحلية المتأقلمة مع المناخ، والتي أثبتت نجاعتها بدعم ومرافقة من هياكل البحث

" وفي ما يتعلق بالموارد المائية، أشار إلى أن ولاية تطاوين تتوفر على "طبقات مائية جوفية مهمّة بدأنا في استغلالها"، مضيفًا أن "مؤشرات تم رصدها في برج بورقيبة تُظهر نتائج مشجعة"، ومعتبرًا أن الاعتماد على الطاقة الشمسية يمثل "رافعة أساسية" لدعم المشاريع الفلاحية

كما أوضح أن "العديد من المساحات المروية أصبحت تعتمد على الطاقة الشمسية لضخ المياه، خاصة في سهل الرومان بالذهيبة، ويتواصل سنويًا برمجة اعتمادات خاصة لكهربة الآبار بالطاقة الشمسية بالمناطق السقوية من طرف وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، مما ساهم في تقليص كلفة الاستغلال بالنسبة للفلاحين"

وأكد شنيتر أنه في ظل التغيرات المناخية يشهد النمط الفلاحي في الجهة تحولًا ملحوظًا، مبينا أن "الفلاحة كانت تعتمد أساسًا على الأمطار، لكنها أصبحت أكثر تقلبًا وأقل مردودية، لذلك أصبح الري ضرورة للحفاظ على النشاط الفلاحي"

"تثمين البذور المحلية، هدف استراتيجي في ظل التغيرات المناخية"

وإلى جانب تنويع مناطق الإنتاج، يهدف المشروع إلى تثمين البذور المحلية المتأقلمة مع المناخ الصحراوي، حيث أشار المسؤول إلى أن "حوالي اثني عشر صنفًا، من بينها صنف أصيل من جهة تطاوين، أثبتت نجاعتها بدرجات متفاوتة، بإنتاجية تتراوح بين 30 و40 قنطارًا للهكتار، مع توقعات بالوصول إلى 80 قنطارًا مستقبلًا"

على الصعيد الوطني، وفي ظل عجز تجاري بلغ نحو 21,8 مليار دينار سنة 2025، وفق المعهد الوطني للإحصاء، وتقلبات الأسعار العالمية، تبرز مسألة الأمن الغذائي كأولوية وطنية

ويُعدّ التوجه نحو تنويع مناطق الإنتاج، بدعم من مؤسسات البحث الوطنية والدولية، خيارًا لتعزيز هذا الأمن، خاصة إذا ثبتت الجدوى التقنية والاقتصادية لتجارب الزراعة في المناطق الصحراوية

غير أن التحدي الأكبر يظل في حسن استغلال الموارد المائية، حيث تفرض هذه المشاريع تحقيق توازن دقيق بين التوسع في الإنتاج والحفاظ على استدامة المياه والتربة

وفي هذا الإطار، يعتزم القائمون على المشروع إجراء تقييم شامل في نهاية الموسم الحالي، يشمل تأثير الزراعة المروية في المناطق الجافة على المياه الجوفية، وتملّح التربة، والكلفة طويلة المدى، إضافة إلى جدواها الاقتصادية

وفي انتظار نتائج هذا التقييم، تظل تجربة زراعة الحبوب المروية في الجنوب التونسي خيارًا واعدًا، لكنه مشروط بضمان استدامة الموارد الطبيعية، خاصة المياه



وات

الاكثر قراءة

  • رئيس الجمهورية: الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع يحرم صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر

    ​تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوأوضح رئيس الدولة، وفق البلاغ الاعلامي للرئاسة، أنّ بعض الممارسات المسجّلة ترتقي إلى مستوى الجريمة، حيث يتمّ حرمان صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر نتيجة الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع، مشيراً إلى أنّ ممارسات مماثلة سُجّلت سابقاً عند إحداث ديوان الأعلاف، حين عمد البعض إلى احتكار مختلف أنواع الأعلاف وبيعها بأسعار تقلّ عن تلك التي يضبطها الديوان المذكور، في مسعى لتفليسه والاعتداء على المال العامكما جدّد رئيس الجمهورية التطرّق إلى موسم جني الزيتون، مشيراً إلى محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت، ومؤكّداً ضرورة مضاعفة العمل حتى يضطلع بدوره على الوجه المطلوب. وفي هذا السياق، أسدى تعليماته بمواصلة توزيع زيت الزيتون وجزء من صابة التمور بالسوق الداخلية وعبر الوداديات، بما يضمن استفادة المواطن والفلاح على وجه الخصوص، إلى جانب مواصلة البحث عن أسواق جديدة للتصديرتناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوتناول اللقاء كذلك السياسة المائية في تونس على مدى العقود الماضية، حيث شدّد رئيس الدولة على ضرورة القيام بعمليات دورية لصيانة السدود وجهر الأودية، مبرزاً أنّ عدداً من السدود تعرّض للإهمال وتحول بعضها إلى أثر بعد عين، على غرار سدّ الأخماس بولاية سليانة الذي كانت طاقة استيعابه تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعّب. كما أشار إلى الإهمال الذي طال عديد الأودية التي لم تُجهر منذ عقود، فضلاً عن البحيرات الجبلية التي تراكمت بها الأتربة منذ سبعينات القرن الماضي​​


  • نابل: الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري في مارس المقبل

    تحتضن ولاية نابل من 26 إلى 29 مارس 2026 الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري، وذلك بمركز المعارض بالجهة، في تظاهرة تهدف إلى تنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز إشعاع الجهة على المستويين الجهوي والوطنيويمثل هذا الحدث مناسبة لعرض المنتجات الفلاحية المحلية وتقريب المسافات بين المنتجين والمزوّدين، فضلاً عن دعم الشراكات المهنية وتطوير مسالك الترويجوسيشارك في المعرض عدد من الفلاحين والمؤسسات والشركات الناشئة الناشطة في مجالات الفلاحة والإنتاج الحيواني والصيد البحري، بما يعزز تبادل الخبرات ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والاستثمارويتضمن البرنامج عرضاً وبيعاً مباشراً للمنتجات الفلاحية من المنتج إلى المستهلك، إلى جانب تنظيم ندوات علمية تناقش أبرز التحديات التي يواجهها القطاع والحلول الممكنة لتطويرهويُذكر أن القطاع الفلاحي بولاية نابل يساهم بنحو 15 بالمائة من الإنتاج الفلاحي الوطني، كما تحتل الجهة مراتب متقدمة وطنياً في عدد من القطاعات الفلاحية، خاصة التوابل والفراولة والحمضيات​


  • رئيس النقابة التونسية للفلاحين: تقدّم جني الزيتون إلى 85% وتأخر العملية قد يهدّد صابة الموسم القادم

    أفاد رئيس النقابة التونسية للفلاحين، الميداني الضاوي، بأن نسبة تقدم جني الزيتون في تونس تراوحت إلى حد الآن بين 80 و85 بالمائة، مسجّلة تأخرًا ملحوظًا مقارنة بالمواسم السابقة وأوضح الضاوي أن هذا التأخير يعود أساسًا إلى تدني أسعار الزيتون، ما دفع العديد من الفلاحين إلى التردد في مواصلة الجني، في ظل حالة من عدم اليقين داخل السوق تذبذب الأسعار يربك الفلاحين وأشار الضاوي إلى وجود تذبذب واضح في الأسعار المتداولة، حيث يتم الإعلان أحيانًا عن أسعار في حدود 10 دنانير، غير أنها لا تعكس الواقع الفعلي داخل المعاصر، وهو ما عمّق حالة الغموض وفقدان الثقة في السوق كما انتقد تدخل بعض الأطراف غير المختصة في قطاع الزيتون، معتبرًا أن التصريحات غير الدقيقة، خاصة المتعلقة بتقديرات الإنتاج التي تبلغ نحو 500 ألف طن، ساهمت في إرباك الفلاحين، خصوصًا في المناطق الريفية التي تتعامل مع هذه المعطيات باعتبارها صادرة عن جهات مرجعية مخاطر محتملة على الموسم القادم وحذّر رئيس النقابة من انعكاسات تأخر الجني على الموسم المقبل، موضحًا أن تأخير العملية يؤثر سلبًا على الدورة البيولوجية لشجرة الزيتون، التي تحتاج إلى فترة كافية لاستعادة طاقتها والاستعداد للإنتاج في السنة التالية، ما قد يهدد صابة العام القادم وأضاف أن رئاسة الجمهورية تدخلت في عدة مناسبات لمحاولة تأطير القطاع، غير أن التردد في اتخاذ القرارات حال دون تحقيق النتائج المرجوة دعوة إلى إدارة استباقية للقطاع وفي رسالة موجّهة إلى سلطة الإشراف، شدّد الضاوي على ضرورة اعتماد مقاربة استباقية في إدارة القطاع الفلاحي، تقوم على دراسة الأوضاع قبل تفاقم الأزمات بدل التدخل بعد حدوثها وأكد أن الفلاح التونسي يمتلك الكفاءة لتحقيق نتائج إيجابية، غير أن غياب التخطيط المسبق والدعم الكافي يعيق هذا النجاح. واستشهد بقطاعات الحبوب والزيتون واللحوم التي تواجه إشكاليات متشابهة، من بينها نقص التأطير، غياب الأسواق الخارجية، وتذبذب الأسعار كما لفت إلى الترابط بين القطاعات الفلاحية، خاصة بين إنتاج الحليب واللحوم، حيث يؤثر انخفاض أسعار الحليب بشكل مباشر على منظومة تربية الماشية وإنتاج اللحوم وختم رئيس النقابة تصريحه بالتأكيد على أن الفلاحة التونسية قادرة على التعافي وتحقيق نتائج أفضل، شريطة توفير الإحاطة اللازمة، وتفعيل القرارات في الوقت المناسب، ودعم الفلاحين بآليات العمل التي تضمن الاستقرار داخل السوق


التعليقات