منارة كل فلاح

منارة كل فلاح

بين عبقرية الشباب وتعقيدات الإدارة... هل أصبحت البيروقراطية أكبر عدو للفلاحة الذكية في تونس؟

الفلاحة الذكية الذكاء الاصطناعي الدرون الطائرات المسيّرة TerraSense حسن الحمروني الابتكار التونسي الشباب التونسي الشركات الناشئة البحث العلمي التكنولوجيا الفلاحية الأمن الغذائي التغيرات المناخية حرائق الغابات مراقبة المحاصيل الزراعة الدقيقة التحول الرقمي ريادة الأعمال البيروقراطية التعقيدات الإدارية التشريعات التونسية قانون الدرون قانون المالية 2026 الاستثمار في الابتكار التنمية المستدامة الاقتصاد الرقمي التكنولوجيا الخضراء السيادة الغذائية الرقمنة في الفلاحة تونس

بين عبقرية الشباب وتعقيدات الإدارة... هل أصبحت البيروقراطية أكبر عدو للفلاحة الذكية في تونس؟

 

لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت تونس تمتلك الكفاءات القادرة على قيادة الثورة الزراعية الرقمية، بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تسمح الدولة لهذه الكفاءات بالنجاح؟

قصة الشاب التونسي حسن الحمروني ليست مجرد خبر عن مبتكر نجح في تطوير منظومة ذكية تحمل اسم TerraSense، بل هي مرآة تعكس واقعاً يعيشه عشرات الباحثين والمهندسين وأصحاب المؤسسات الناشئة في تونس. واقعٌ يختصره تناقض صارخ: كلما ارتفع مستوى الابتكار، ازدادت صعوبة تحويله إلى مشروع يخدم الاقتصاد الوطني.

لقد نجح هذا الشاب في تصميم منظومة تونسية بالكامل تعتمد على الذكاء الاصطناعي وطائرات الدرون لمراقبة الضيعات الفلاحية، والكشف المبكر عن الأمراض النباتية، وتحليل الإجهاد المائي، ورصد الحرائق، وإرسال تنبيهات فورية للفلاحين، مع اعتماد محطة شحن تعمل بالطاقة الشمسية.

بكل المقاييس، نحن أمام مشروع يلامس أولويات الأمن الغذائي، والتكيف مع التغيرات المناخية، وترشيد استهلاك المياه، وحماية الغابات. أي أننا أمام ابتكار لا يخدم صاحبه فقط، بل يخدم دولة بأكملها.

لكن المفارقة أن أصعب مراحل المشروع لم تكن هندسة الذكاء الاصطناعي، ولا برمجة الطائرة، ولا تصميم المحطة الشمسية...

بل كانت الاصطدام بالإدارة.

لقد أدركت الدولة، ولو متأخرة، أهمية الطائرات المسيّرة في تطوير الفلاحة، وهو ما تُرجم بالمصادقة على الفصل 135 من قانون المالية، الذي فتح الباب أمام استعمال الدرونات في المجال الفلاحي.

هذه خطوة إيجابية لا يمكن إنكارها.

لكن الاعتراف القانوني وحده لا يصنع تحولاً اقتصادياً.

فالنصوص شيء، والواقع الإداري شيء آخر.

إلى اليوم، لا يزال استعمال الدرون يخضع لمسار طويل من التراخيص والموافقات، وتتداخل فيه عدة هياكل إدارية وأمنية، بينما يواجه المبتكرون صعوبات في توريد المعدات، وإجراء التجارب الميدانية، وتسويق حلولهم.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالابتكار لا يموت بسبب نقص الأفكار... بل بسبب بطء الإجراءات.

كيف يمكن لدولة تطمح إلى تحقيق السيادة الغذائية أن تطلب من شبابها تطوير حلول ذكية، ثم تضع أمامهم منظومة إدارية تجعل الوصول إلى التجربة الميدانية أكثر تعقيداً من تطوير التكنولوجيا نفسها؟

كيف يمكن الحديث عن الاقتصاد الرقمي، وعن الثورة الصناعية الرابعة، وعن الذكاء الاصطناعي، بينما يضطر الباحث أو صاحب الشركة الناشئة إلى قضاء أشهر بين الإدارات للحصول على ترخيص قد لا يأتي أصلاً؟

إن الدول التي تقود اليوم الفلاحة الذكية لم تحقق ذلك لأنها تمتلك مهندسين أفضل من تونس، بل لأنها نجحت في بناء منظومة تشريعية وإدارية تعتبر الابتكار استثماراً وطنياً، لا ملفاً أمنياً فقط.

ولا أحد يطالب بإلغاء الرقابة أو المساس باعتبارات السلامة والأمن القومي، فذلك أمر مشروع ولا نقاش فيه.

لكن الفرق كبير بين تنظيم التكنولوجيا وتعطيلها.

التنظيم يعني وضع قواعد واضحة، وإجراءات شفافة، وآجال محددة، ومنصة موحدة للحصول على التراخيص.

أما التعطيل، فهو تعدد المتدخلين، وغموض الإجراءات، وطول الانتظار، وغياب الرؤية.

والنتيجة معروفة سلفاً.

المبتكر الذي لا يجد بيئة حاضنة داخل بلاده، سيبحث عنها خارجها.

والمشروع الذي كان يمكن أن يتحول إلى صناعة تونسية، قد يصبح غداً قصة نجاح في دولة أخرى.

والخاسر في النهاية ليس صاحب المشروع فقط، بل الاقتصاد الوطني، والفلاح التونسي، والدولة التي ستجد نفسها تستورد غداً تكنولوجيا كان بإمكانها أن تُصنع على أرضها.

اليوم، لم تعد الفلاحة الذكية ترفاً تقنياً، بل أصبحت ضرورة تفرضها ندرة المياه، وارتفاع كلفة الإنتاج، والتغيرات المناخية، وتكرار حرائق الغابات، والحاجة إلى رفع الإنتاجية بأقل الموارد.

ومن هنا، فإن دعم الابتكار لم يعد يقتصر على تمويل المشاريع أو تنظيم مسابقات للشباب، بل يبدأ بإزالة العوائق التي تمنع هذه المشاريع من الوصول إلى السوق.

إن نجاح مشروع TerraSense يجب ألا يُقرأ باعتباره قصة نجاح فردية، بل باعتباره رسالة واضحة إلى صانع القرار.

الرسالة تقول إن تونس لا تعاني من نقص في العقول، بل من بطء في تحويل هذه العقول إلى قوة اقتصادية.

والتحدي الحقيقي اليوم لم يعد تصنيع الدرون...

بل تحرير الابتكار من البيروقراطية.

فإذا كانت الدولة تريد فعلاً بناء فلاحة ذكية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، فإن الإصلاح المطلوب لا يقتصر على تعديل القوانين، بل يجب أن يشمل أيضاً تبسيط الإجراءات، وتوحيد مسارات التراخيص، وخلق بيئة تسمح للمبتكر بأن يختبر ويطوّر ويسوّق ابتكاره داخل تونس، لا أن يبحث عن فضاء يحتضنه خارجها.

لأن الدول لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على تحويل أفكار شبابها إلى مشاريع، ومشاريعها إلى ثروة، وثروتها إلى سيادة غذائية وتكنولوجية.


هل ستنجح تونس في إزالة الحواجز البيروقراطية أمام الابتكار، أم ستظل مشاريعها الواعدة تحلّق خارج حدودها قبل أن تحلّق في سماء فلاحتها؟



مقال رأي : مريم بن الحاج علي

الاكثر قراءة

  • وزارة الفلاحة: تعزيز التكوين المهني الفلاحي لاستقطاب الشباب ومواكبة التحول الرقمي

    أكد مدير وكالة الإرشاد والتكوين الفلاحي، إقبال المستوري، أن وزارة الفلاحة تعمل على مزيد دعم منظومة التكوين المهني الفلاحي، سواء على مستوى التكوين الأساسي أو التكوين المستمر، باعتبارها من الآليات المهمة لتوفير فرص التشغيل وبعث المشاريع لفائدة الشباب وأوضح المستوري، في تصريحه لإذاعة موزاييك أف أم، أن منظومة التكوين الفلاحي تستقطب سنويًا نحو ألف متكون في التكوين الأساسي وقرابة 4 آلاف متكون في التكوين المستمر، عبر شبكة تضم 39 مركز تكوين موزعة على مختلف جهات البلاد وأشار إلى أن مراكز التكوين الفلاحي تمثل جهازًا داعمًا لبقية هياكل الدولة المختصة في تكوين الشباب، مبرزًا أن عددًا من هذه المراكز مجهز بأحدث الوسائل التكنولوجية، بما يمكّن المتكونين من اكتساب المهارات اللازمة ومواكبة التطورات الحديثة في القطاع الفلاحي من جهته، شدد مدير ديوان وزير الفلاحة، هيكل حشلاف، في إطار الاحتفال بالعيد الوطني للفلاحة، على أن الأمن الغذائي لم يعد مرتبطًا فقط بالإنتاج وتوفير المواد الغذائية، بل أصبح قائمًا أساسًا على إعداد كفاءات بشرية مؤهلة تمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والتأقلم مع التحولات العالمية وأكد أن الوزارة تولي أهمية خاصة لمنظومة التكوين المهني الفلاحي باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم الاستثمار والتنمية الجهوية كما أشار حشلاف إلى أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على تونس تسريع رقمنة منظومة التكوين والإرشاد الفلاحي، موضحًا أن الوزارة شرعت في تطوير المحتويات الرقمية واعتماد منصات تعليمية حديثة، إلى جانب توظيف الوسائل الذكية والتكنولوجيا الحديثة في التكوين والتأطير والمتابعة ​


  • رئيس الجمهورية: الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع يحرم صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر

    ​تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوأوضح رئيس الدولة، وفق البلاغ الاعلامي للرئاسة، أنّ بعض الممارسات المسجّلة ترتقي إلى مستوى الجريمة، حيث يتمّ حرمان صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر نتيجة الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع، مشيراً إلى أنّ ممارسات مماثلة سُجّلت سابقاً عند إحداث ديوان الأعلاف، حين عمد البعض إلى احتكار مختلف أنواع الأعلاف وبيعها بأسعار تقلّ عن تلك التي يضبطها الديوان المذكور، في مسعى لتفليسه والاعتداء على المال العامكما جدّد رئيس الجمهورية التطرّق إلى موسم جني الزيتون، مشيراً إلى محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت، ومؤكّداً ضرورة مضاعفة العمل حتى يضطلع بدوره على الوجه المطلوب. وفي هذا السياق، أسدى تعليماته بمواصلة توزيع زيت الزيتون وجزء من صابة التمور بالسوق الداخلية وعبر الوداديات، بما يضمن استفادة المواطن والفلاح على وجه الخصوص، إلى جانب مواصلة البحث عن أسواق جديدة للتصديرتناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوتناول اللقاء كذلك السياسة المائية في تونس على مدى العقود الماضية، حيث شدّد رئيس الدولة على ضرورة القيام بعمليات دورية لصيانة السدود وجهر الأودية، مبرزاً أنّ عدداً من السدود تعرّض للإهمال وتحول بعضها إلى أثر بعد عين، على غرار سدّ الأخماس بولاية سليانة الذي كانت طاقة استيعابه تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعّب. كما أشار إلى الإهمال الذي طال عديد الأودية التي لم تُجهر منذ عقود، فضلاً عن البحيرات الجبلية التي تراكمت بها الأتربة منذ سبعينات القرن الماضي​​


  • نابل: الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري في مارس المقبل

    تحتضن ولاية نابل من 26 إلى 29 مارس 2026 الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري، وذلك بمركز المعارض بالجهة، في تظاهرة تهدف إلى تنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز إشعاع الجهة على المستويين الجهوي والوطنيويمثل هذا الحدث مناسبة لعرض المنتجات الفلاحية المحلية وتقريب المسافات بين المنتجين والمزوّدين، فضلاً عن دعم الشراكات المهنية وتطوير مسالك الترويجوسيشارك في المعرض عدد من الفلاحين والمؤسسات والشركات الناشئة الناشطة في مجالات الفلاحة والإنتاج الحيواني والصيد البحري، بما يعزز تبادل الخبرات ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والاستثمارويتضمن البرنامج عرضاً وبيعاً مباشراً للمنتجات الفلاحية من المنتج إلى المستهلك، إلى جانب تنظيم ندوات علمية تناقش أبرز التحديات التي يواجهها القطاع والحلول الممكنة لتطويرهويُذكر أن القطاع الفلاحي بولاية نابل يساهم بنحو 15 بالمائة من الإنتاج الفلاحي الوطني، كما تحتل الجهة مراتب متقدمة وطنياً في عدد من القطاعات الفلاحية، خاصة التوابل والفراولة والحمضيات​


التعليقات