الدولة حدّدت سعر البذور... لكن هل حُسبت كلفة الموسم كاملة على الفلاح؟
مع انطلاق الاستعدادات لموسم الحبوب 2026/2027، أعلنت وزارة الفلاحة عن برنامج لتوفير البذور الممتازة والعادية بنقاط البيع، وحددت سعر القنطار بـ170 دينارًا للقمح الصلب، و140 دينارًا للقمح اللين، و130 دينارًا للشعير والتريتيكال، مقابل 115 دينارًا للشعير التجاري العادي المراقب. كما تُضاف نسبة 3% إلى بعض أصناف البذور الممتازة الخاضعة لعقود استغلال تجاري بعنوان حقوق الاستنباط.
على الورق، تبدو الصورة واضحة: البذور موجودة والأسعار معلنة قبل انطلاق الموسم. لكن بالنسبة إلى الفلاح، 170 دينارًا للقنطار ليست سوى أول رقم في فاتورة أطول بكثير.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يظهر في بلاغ الأسعار: كم سيكلف فعليًا زرع هكتار واحد من الحبوب إلى غاية الحصاد؟
البذرة أول المصاريف... وليست آخرها
الفلاح لا يدخل الموسم بشراء البذور فقط. قبل أن يحصد قنطارًا واحدًا، عليه أن يتحمل كلفة إعداد الأرض والحرث والتسميد والمداواة والمحروقات والميكنة واليد العاملة والنقل، إضافة إلى الري بالنسبة إلى الزراعات السقوية.
وفوق كل هذه المصاريف، هناك عامل لا يمكن للفلاح التحكم فيه: المناخ.
قد يدفع كل تكاليف الموسم ثم تأتي أمطار أقل من المطلوب، أو موجة حرارة في توقيت حساس، أو مرض، أو تراجع في المردودية، فتتغير المعادلة الاقتصادية للموسم بالكامل.
لذلك، فإن النقاش حول سعر البذور يصبح ناقصًا إذا لم يرتبط بسؤال آخر: ما الكلفة الإجمالية للهكتار وما الحد الأدنى من الإنتاج الذي يسمح للفلاح باسترجاع مصاريفه؟
170 دينارًا للقنطار... هل هو سعر مرتفع؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
لا يمكن الحكم على سعر البذور وحده بأنه مرتفع أو منخفض دون ربطه ببقية عناصر كلفة الإنتاج والمردودية المنتظرة وسعر بيع المحصول.
واللافت أن الأسعار الأساسية المعلنة للموسم الحالي هي نفسها التي أعلنتها الوزارة للموسم 2025/2026: 170 دينارًا للقمح الصلب و140 للقمح اللين و130 للشعير والتريتيكال و115 للشعير العادي المراقب، مع نفس الزيادة بـ3% بالنسبة إلى الأصناف المعنية بحقوق الاستنباط.
وهذا يغيّر زاوية السؤال: حتى إذا لم يرتفع سعر البذور، ماذا حدث لبقية عناصر كلفة الإنتاج؟
فاستقرار سعر عنصر واحد لا يعني بالضرورة استقرار فاتورة الموسم كاملة.
التمويل ارتفع... لكن القرض ليس منحة
بالتوازي مع أسعار البذور، راجع البنك المركزي هذا الأسبوع مقاييس تدخل البنوك في تمويل الزراعات الفصلية.
بالنسبة إلى القمح الصلب واللين والبقول، يصل سقف تدخل البنوك إلى 1415 دينارًا للهكتار في المنطقة الأولى البعلية، و1175 دينارًا في المنطقة الثانية، و1930 دينارًا للهكتار بالنسبة إلى الزراعات السقوية. أما الشعير، فتتراوح مقاييسه بين 350 و940 دينارًا للهكتار حسب المنطقة.
ظاهريًا، يبدو ذلك دعمًا لقدرة الفلاح على تمويل الموسم.
لكن هناك فرق أساسي بين تمويل الموسم وتحمل كلفته.
هذه المبالغ تمثل سقوفًا لتدخل البنوك، وليست دعمًا مباشرًا أو مبلغًا يحصل عليه كل فلاح آليًا. كما أن القرض في النهاية دين يجب تسديده.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: إذا احتاج الفلاح إلى الاقتراض حتى يزرع، فإنه يدخل الموسم وهو مطالب ليس فقط باسترجاع مصاريف الإنتاج، وإنما أيضًا بتوفير السيولة اللازمة لتسديد القرض.
أي أن السؤال لا يصبح فقط: هل يستطيع أن يزرع؟
بل: هل سيكون محصوله كافيًا حتى يزرع ويسدد ويحقق دخلًا يسمح له بالعودة في الموسم القادم؟
الدولة تريد إنتاجًا أكبر... والفلاح يريد معادلة قابلة للحياة
تونس لديها مصلحة استراتيجية واضحة في تطوير إنتاج الحبوب وتقليص هشاشتها تجاه الأسواق الخارجية.
لكن الأمن الغذائي لا يتحقق بمجرد مطالبة الفلاحين بزراعة مساحات أكبر.
حتى يزرع الفلاح أكثر، يجب أن تكون لديه مصلحة اقتصادية في ذلك.
لأن الفلاح في النهاية ليس مجرد منفذ لاستراتيجية وطنية؛ هو أيضًا مستثمر يتحمل المال والمخاطر وينتظر مردودية.
وإذا كانت المعادلة هي: كلفة مرتفعة + تمويل بالقروض + مخاطر مناخية + مردودية غير مضمونة، فإن قرار تقليص المساحات أو التخلي عن النشاط يمكن أن يصبح بالنسبة إليه قرارًا اقتصاديًا، مهما كانت حاجة البلاد إلى الحبوب.
أين هي «كلفة الهكتار»؟
هنا ربما توجد أهم معلومة يحتاجها الفلاح قبل بداية الموسم.
بدل الاكتفاء بالإعلان عن سعر قنطار البذور، لماذا لا تكون هناك معادلة مرجعية واضحة ومحيّنة لكلفة إنتاج الهكتار؟
كم يحتاج هكتار القمح الصلب من البذور؟
كم تكلف عمليات الحرث؟
كم تبلغ كلفة التسميد؟
والمداواة؟
والحصاد؟
والنقل؟
ثم، بعد جمع كل ذلك: كم قنطارًا يجب أن ينتج الهكتار حتى يصل الفلاح إلى نقطة التعادل؟ وكم يجب أن ينتج حتى يحقق هامشًا فعليًا؟
هذه الأرقام هي التي تسمح بالحكم إن كان الموسم قابلًا للتمويل اقتصاديًا أم لا.
الأمن الغذائي لا يبدأ في الميناء... بل عند قرار الفلاح بالزراعة
الحديث عن السيادة والأمن الغذائي يصبح ناقصًا إذا لم توضع ربحية الفلاح واستمرارية نشاطه في قلب المعادلة.
فتوفير البذور خطوة ضرورية. وتحديد الأسعار مسبقًا مهم. ومراجعة التمويل البنكي يمكن أن تساعد.
لكن كل ذلك لا يجيب وحده عن السؤال الأساسي:
هل يستطيع الفلاح أن يزرع الحبوب اليوم، ويتحمل مخاطر موسم كامل، ثم يبيع محصوله بسعر يسمح له باسترجاع ما أنفقه وتحقيق دخل والاستعداد للموسم الذي يليه؟
لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تضطر تونس إلى استيراد الحبوب.
الخطر يبدأ قبل ذلك بكثير...
عندما تصبح الآلة الحاسبة هي التي تقنع الفلاح بأن عدم الزراعة أقل مخاطرة من الزراعة.
مريم بن الحاج علي
الاكثر قراءة
-
وزارة الفلاحة: تعزيز التكوين المهني الفلاحي لاستقطاب الشباب ومواكبة التحول الرقمي
أكد مدير وكالة الإرشاد والتكوين الفلاحي، إقبال المستوري، أن وزارة الفلاحة تعمل على مزيد دعم منظومة التكوين المهني الفلاحي، سواء على مستوى التكوين الأساسي أو التكوين المستمر، باعتبارها من الآليات المهمة لتوفير فرص التشغيل وبعث المشاريع لفائدة الشباب وأوضح المستوري، في تصريحه لإذاعة موزاييك أف أم، أن منظومة التكوين الفلاحي تستقطب سنويًا نحو ألف متكون في التكوين الأساسي وقرابة 4 آلاف متكون في التكوين المستمر، عبر شبكة تضم 39 مركز تكوين موزعة على مختلف جهات البلاد وأشار إلى أن مراكز التكوين الفلاحي تمثل جهازًا داعمًا لبقية هياكل الدولة المختصة في تكوين الشباب، مبرزًا أن عددًا من هذه المراكز مجهز بأحدث الوسائل التكنولوجية، بما يمكّن المتكونين من اكتساب المهارات اللازمة ومواكبة التطورات الحديثة في القطاع الفلاحي من جهته، شدد مدير ديوان وزير الفلاحة، هيكل حشلاف، في إطار الاحتفال بالعيد الوطني للفلاحة، على أن الأمن الغذائي لم يعد مرتبطًا فقط بالإنتاج وتوفير المواد الغذائية، بل أصبح قائمًا أساسًا على إعداد كفاءات بشرية مؤهلة تمتلك المعرفة والقدرة على الابتكار والتأقلم مع التحولات العالمية وأكد أن الوزارة تولي أهمية خاصة لمنظومة التكوين المهني الفلاحي باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الغذائي وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم الاستثمار والتنمية الجهوية كما أشار حشلاف إلى أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على تونس تسريع رقمنة منظومة التكوين والإرشاد الفلاحي، موضحًا أن الوزارة شرعت في تطوير المحتويات الرقمية واعتماد منصات تعليمية حديثة، إلى جانب توظيف الوسائل الذكية والتكنولوجيا الحديثة في التكوين والتأطير والمتابعة
-
رئيس الجمهورية: الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع يحرم صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر
تناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوأوضح رئيس الدولة، وفق البلاغ الاعلامي للرئاسة، أنّ بعض الممارسات المسجّلة ترتقي إلى مستوى الجريمة، حيث يتمّ حرمان صغار الفلاحين من مادة الأمونيتر نتيجة الاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع، مشيراً إلى أنّ ممارسات مماثلة سُجّلت سابقاً عند إحداث ديوان الأعلاف، حين عمد البعض إلى احتكار مختلف أنواع الأعلاف وبيعها بأسعار تقلّ عن تلك التي يضبطها الديوان المذكور، في مسعى لتفليسه والاعتداء على المال العامكما جدّد رئيس الجمهورية التطرّق إلى موسم جني الزيتون، مشيراً إلى محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت، ومؤكّداً ضرورة مضاعفة العمل حتى يضطلع بدوره على الوجه المطلوب. وفي هذا السياق، أسدى تعليماته بمواصلة توزيع زيت الزيتون وجزء من صابة التمور بالسوق الداخلية وعبر الوداديات، بما يضمن استفادة المواطن والفلاح على وجه الخصوص، إلى جانب مواصلة البحث عن أسواق جديدة للتصديرتناول رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خلال اللقاء الذي جمعه عشية أمس، الأربعاء 28 جانفي 2026، بقصر قرطاج بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزّالدين بن الشيخ، جملة من القضايا، من بينها عملية توزيع مادة الأمونيتر بعدد من ولايات الجمهورية، ولا سيما ولايات بنزرت وجندوبة وسليانة، وذلك بعد تسجيل تحسّن طفيف في الوضع بعدد من الولايات الأخرىوتناول اللقاء كذلك السياسة المائية في تونس على مدى العقود الماضية، حيث شدّد رئيس الدولة على ضرورة القيام بعمليات دورية لصيانة السدود وجهر الأودية، مبرزاً أنّ عدداً من السدود تعرّض للإهمال وتحول بعضها إلى أثر بعد عين، على غرار سدّ الأخماس بولاية سليانة الذي كانت طاقة استيعابه تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعّب. كما أشار إلى الإهمال الذي طال عديد الأودية التي لم تُجهر منذ عقود، فضلاً عن البحيرات الجبلية التي تراكمت بها الأتربة منذ سبعينات القرن الماضي
-
نابل: الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري في مارس المقبل
تحتضن ولاية نابل من 26 إلى 29 مارس 2026 الدورة الأولى للمعرض الفلاحي والإنتاج الحيواني والصيد البحري، وذلك بمركز المعارض بالجهة، في تظاهرة تهدف إلى تنشيط الدورة الاقتصادية وتعزيز إشعاع الجهة على المستويين الجهوي والوطنيويمثل هذا الحدث مناسبة لعرض المنتجات الفلاحية المحلية وتقريب المسافات بين المنتجين والمزوّدين، فضلاً عن دعم الشراكات المهنية وتطوير مسالك الترويجوسيشارك في المعرض عدد من الفلاحين والمؤسسات والشركات الناشئة الناشطة في مجالات الفلاحة والإنتاج الحيواني والصيد البحري، بما يعزز تبادل الخبرات ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والاستثمارويتضمن البرنامج عرضاً وبيعاً مباشراً للمنتجات الفلاحية من المنتج إلى المستهلك، إلى جانب تنظيم ندوات علمية تناقش أبرز التحديات التي يواجهها القطاع والحلول الممكنة لتطويرهويُذكر أن القطاع الفلاحي بولاية نابل يساهم بنحو 15 بالمائة من الإنتاج الفلاحي الوطني، كما تحتل الجهة مراتب متقدمة وطنياً في عدد من القطاعات الفلاحية، خاصة التوابل والفراولة والحمضيات


التعليقات